مجموعة مؤلفين
159
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
تحول دون الاتصال باللّه ، وذلك إنما يكون عن طريق الفناء الذي يعد آخر درجات المعراج الروحي ، وهو حال تختفى فيها إرادة الإنسان وشخصيته وشعوره بذاته فلا يرى في الوجود غير اللّه وإرادته وفعله ، يقول القشيري « إن من ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال إنه فنى عن شهواته ، فإذا فنى عن شهواته بقي بنيّته وإخلاصه في عبوديته ، ومن زهد في دنياه بقلبه فنى عن رغبته ، فإذا فنى عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته ، ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر وأمثال هذه من رعونات النفس يقال : فنى عن سوء الخلق ، فإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق « 1 » . . » وهكذا بدا التصوف منذ القرن الثالث للهجرة طريقا لتصفية النفس ، وتحصيل المعرفة بالكشف والإشراق ( وليس بالعقل كما هو الحال عند المتكلمين والفلاسفة ) ، وسمى صاحب الكشف بالعارف الواصل إلى اللّه عن طريق قلبه الذي صفت مرآته وانجلت غشاوته وزالت عنه حجب الحس . بهذا نرى أن التصوف حين كان في أولى مراحله استجاب الصوفية لتعاليم اللّه خوفا من عذابه أو طمعا في نعيمه ، وإيمانا منهم بأنّ العالم يخضع لإرادة اللّه القاهرة المطلقة ، ولكن الصوفية قد اتجهوا منذ القرن الثاني للهجرة إلى حب اللّه حبا عبروا عنه بفنائهم عن أنفسهم وبقائهم باللّه وحده ، وجعلوا هذا الحب غاية حياتهم وملتقى آمالهم ، وعندئذ حرصوا على الاستجابة لتعاليم اللّه بباعث من حبهم له ورغبتهم في كسب مرضاته ، وجاء هذا إيمانا منهم بأن العالم ليس إلا مجلى لجمال اللّه ومحبته ، وتحول اللّه عند الصوفية من معبود يخافه الصوفي ويرهبه ، إلى محبوب يأنس بقربه ويتطلع إلى مرضاته ويسعد بحبه ، وأضحى هذا الحب جماع الأخلاق الشرعية - فيما ذهب ذو النون المصري - لأنه أوجب على المحب أن يحب ما أحب اللّه ، وأن يبغض
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ، ص 48 .